السيد عباس علي الموسوي

475

شرح نهج البلاغة

طمرا ولا حزت من أرضها شبرا ولا أخذت منه إلا كقوت أتان دبرة ولهي في عيني أوهى وأهون من عفصة مقرة ) نفى عليه السلام بالقسم باللهّ أنه ما جمع شيئا من ذهب الدنيا وفضتها ولا وفر شيئا من غنائمها ومنافعها ومالها ولا هيأ رقعة يرقع بها ثوبه البالي كما أنه لم يملك من أرض الدنيا شبرا حقيرا يستفيد منه وينتفع به . . . إنه علي الذي نفض يديه من مال الدنيا وتراثها يعلن ذلك ويقول : إنه لم يأخذ من قوت الدنيا إلا ما تأخذه الأتان التي عقر ظهرها فقل أكلها لانشغالها بألمها شبهّه بذلك لقلته وحقارته . . . ثم بين احتقاره للدنيا ومدى صغرها في عينه فقال : إنها أحقر وأضعف من حبة عفص التي لا تقبلها النفس بل تتقزز منها وتنفر عنها وكذلك الدنيا في عين علي . . . ( بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين ونعم الحكم اللّه وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانها في غد جدث تنقطع في ظلمته آثارها وتغيب أخبارها ) استثنى عليه السلام من ملك الدنيا كلها « فدك » وهي منحة أو ميراث من رسول اللّه إلى الزهراء ولكن حتى هذه لم تسلم لها بل ادعى أبو بكر حديثا انفرد بنقله ولم ينقل عن لسان أحد من المسلمين يقول فيه عن النبي : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة » وبهذا منع الزهراء ميراثها من أبيها النبي وقد احتجت عليها السلام بآيات الكتاب التي تعم المسلمين في الميراث وكذلك بآيات الميراث في الأنبياء وجاءت بالشهود ولكن كل محاولاتها صلوات اللّه عليها لم تنجح فقد قرر الخليفة أن يحرمها ميراثها لغرض يبتغيه وحاجة في نفسه . . . ولذا يقول الإمام فشحت عليها نفوس قوم أي بخلت بها وسلبتها من أصحابها وسخت عنها نفوس أهل البيت أشاحوا عنها ولم يجعلوها موردا للتنازع والخصام كما يقع بين عوام الناس ثم رد الحكم إلى اللّه فهو الذي يحكم بها يوم القيامة ويقتص ممن عليه الحق ووقع منه الظلم ثم استفهم مستنكرا على نفسه ليعلمنا وغيرنا أيضا بأنه ما ذا يفعل بفدك وغير فدك من متاع الدنيا وما ذا ينفعه كل ذلك ونهايته الأخيرة إلى قبر مظلم لا يبقى لهذا البدن أثرا ولا ينقل منه خبر ومن تفكر في ذلك المصير وتلك النهاية سقطت من عينه كل أموال الدنيا ومتاعها فضلا عن فدك وما فيها . . . ( وحفرة لو زيد في فسحتها وأوسعت يدا حافرها لأضغطها الحجر والمدر وسد فرجها التراب المتراكم وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر وتثبت على جوانب المزلق ) وهذه هي النهاية حفرة صغيرة لو أراد حافرها زيادتها